إثيوبيا تدخل مرحلة شديدة الحساسية.. فالمشهد لم يعد مجرد أزمة في إقليم تيجراي، وإنما صراعات مسـ لحة متزامنة في أكثر من منطقة، وتحالف جديد يضم 7 جماعات مسـ لحة وسياسية أعلنت توحيد جهودها ضد حكومة رئيس الوزراء أبي أحمد.
التحالف الجديد يضم جبهة تحرير تيجراي، وفانو الأمهري، وجيش تحرير أورومو، إلى جانب جماعات من أقاليم عفار وبني شنقول-قمز ومنطقة الصومال، وهو تطور لافت لأن بعض هذه القوى كانت خصوما مباشرين خلال الحـ رب الإثيوبية السابقة.
رويترز نقلت عن محللين أن التحالف يمثل تحديا للحكومة، لكن قدرته على العمل كقوة عسكرية موحدة ما زالت غير واضحة بسبب الخلافات السياسية والمسافات الجغرافية بين مكوناته.
وفي الوقت نفسه، عاد القتال بقوة إلى تيجراي، مع مواجهات بين القوات الفيدرالية وقوات تيجرانية، وامتداد الاشتباكات إلى مناطق في أمهرة وعفار. وتقول ACLED إن المواجهات تركزت خلال الأيام الأخيرة في عدة مناطق بأمهرة وعلى الحدود بين تيجراي وعفار، بالتزامن مع تحركات عسكرية متزايدة منذ أغسطس.
الأمر لا يتوقف هنا..
أمهرة تشهد منذ 2023 قتالا بين القوات الحكومية وجماعات فانو، بينما يستمر الصراع المسلح في أوروميا مع جيش تحرير أورومو، ما يعني أن الحكومة الإثيوبية تواجه أكثر من جبهة في وقت واحد.
والأخطر أن الأزمة تتحرك في منطقة شديدة الحساسية جغرافيا..
تيجراي تقع على الحدود مع إريتريا والسودان، وعفار ترتبط بممر جيبوتي والبحر الأحمر، وبني شنقول-قمز تضم منطقة سد النهضة، بينما تقع أوروميا في قلب الدولة الإثيوبية.
وهنا تبدأ أهمية ما يحدث بالنسبة لمصر.
لأن إثيوبيا بالنسبة للقاهرة ليست مجرد دولة في القرن الأفريقي..
إثيوبيا دولة المنبع للنيل الأزرق، وعلى أراضيها سد النهضة، وأي اضطراب كبير داخلها يهم مصر بسبب موقعه المحتمل على ملفات النيل والسودان والقرن الأفريقي والبحر الأحمر.
وفي الوقت نفسه، فإن القاهرة وأديس أبابا ما زالتا على خلاف حاد بشأن قواعد تشغيل سد النهضة.
وزير الري المصري هاني سويلم قال في سبتمبر إن مصر تتمسك بحماية أمنها المائي، وإنها لا تقبل فرض أمر واقع أحادي على النيل الشرقي، بينما تؤكد إثيوبيا أن السد مشروع للتنمية وتوليد الكهرباء.
لكن هناك ملفا آخر لا يقل أهمية..
إريتريا.
العلاقة بين أديس أبابا وأسمرة أصبحت واحدة من أكثر الملفات حساسية في المنطقة، والحكومة الإثيوبية تتهم إريتريا بدعم جماعات معارضة مسلحة، بينما تنفي أسمرة هذه الاتهامات. والتحالف الإثيوبي الجديد يزيد من حساسية هذا الملف، خصوصا أن تيجراي تقع مباشرة على الحدود الإريترية.
ثم يأتي السودان..
إثيوبيا تشترك مع السودان في حدود واسعة، بينما يعيش السودان نفسه حربا منذ 2023، ما يجعل أي اتساع للصراع الإثيوبي مسألة تتجاوز الداخل الإثيوبي إلى أمن منطقة كاملة.
ولهذا فإن ما يحدث الآن يستحق المتابعة من القاهرة ليس باعتباره "حرب تيجراي جديدة" فقط، وإنما باعتباره اختبارا لقدرة الدولة الإثيوبية على احتواء عدة أزمات مسلحة في وقت واحد.
حتى الآن لا توجد أدلة تسمح بالقول إن الحكومة الإثيوبية على وشك السقوط، كما أن التحالف الجديد لا يعني تلقائيا أنه أصبح جيشا موحدا قادرا على إسقاط الدولة.
لكن الخطر الحقيقي يكمن في اتساع رقعة القتال وتزامن الجبهات..
تيجراي في الشمال..
أمهرة في الشمال الغربي..
أوروميا في قلب البلاد..
عفار على طريق البحر الأحمر..
توتر مع إريتريا..
وحرب السودان على الحدود..
وفي الخلفية يوجد سد النهضة والنيل الأزرق.
وهنا تكمن أهمية إثيوبيا بالنسبة لمصر..
كلما اتسعت الأزمة داخل الدولة التي ينبع منها النيل الأزرق، أصبحت تطورات القرن الأفريقي أكثر ارتباطا مباشرة بحسابات الأمن المائي المصري، وأمن السودان، وحركة البحر الأحمر.
المشهد الإثيوبي لم يعد خبرا داخليا فقط..
ما يحدث داخل إثيوبيا يراقب في القاهرة والخرطوم وأسمرة وجيبوتي، لأن أي تغيير كبير في موازين القوى داخل هذه الدولة قد تكون له تداعيات تتجاوز حدودها.




