لم تكن مهنة التنجيد بالنسبة لعم صبحي مجرد وسيلة لكسب الرزق، بل هي رحلة عمر كاملة، تنقل عبرها بين تحديات الحياة ومصاعبها. على مدار 55 عامًا، استطاع عم صبحي من خلال عمله أن يؤسس عائلة ويعول أبناءه الستة، معتمدًا على عرق جبينه وإيمانه بقيمة العمل وكرامته، رغم التغيرات التي شهدتها مهنته والتي تهدد بانقراضها.
يؤكد عم صبحي بنبرة حازمة أنه سيظل يعمل حتى آخر يوم في عمره، متمسكًا بمهنته ما دام قادرًا على ذلك. بالنسبة له، لم يكن الشقاء عبئًا، بل هو وسيلة للستر وتلبية احتياجات أسرته، حيث عاش سنوات من المسؤولية والتضحيات.
يبدأ عم صبحي يومه في الثامنة صباحًا، ملتزمًا بمواعيده المحددة، ويغادر مكان عمله في الخامسة مساءً. توقيته الدقيق يعكس نظام حياته الذي لطالما احترمه، حيث يرافقه في العمل صوت إذاعة الشباب والرياضة، التي تعزز من أجواء عمله، وتمنحه مساحة من المتعة وسط مشقة الحياة.
وفيما يشغل يديه بمهام التنجيد، يحتسي كوبًا من الشاي، مستغرقًا في تفاصيل صنعته التي يعرفها جيدًا. لكل حركة من يديه قصة، ولكل قطعة يعمل عليها حكاية، تعكس خبراته التي تراكمت عبر عشرات السنين.
وبينما يتمسك بعمله، يخصص عم صبحي يوم الجمعة للاجتماع بأبنائه وأحفاده، حيث يعتبره موعدًا عائليًا مقدسًا. يجتمعون حول مائدة واحدة، يتناولون الطعام ويتبادلون الضحكات، ليعيدوا معنى البيت الذي تعب من أجله سنوات طويلة.
ورغم كل ما حققه من إنجازات، لا يزال يحمل حلمًا في قلبه، وهو أن تحصل ابنته على وظيفة معلمة مستقرة. يصف هذا الحلم كأمنية تخصه أيضًا، حيث يسعى لتحقيق استقرار أسرته، مؤمنًا بأن الكرامة تكمن في السعي والعمل الجاد.
يمثل عم صبحي رمزًا للصمود في وجه تغيرات الزمن، حيث لا يزال يحتفظ بعلاقته بزبائنه، خاصة البسطاء، مقدّمًا لهم الخدمة التي تتناسب مع ظروفهم. يرى في مهنته أكثر من مجرد تجارة، بل هو ارتباط إنساني يجمع بينه وبين زبائنه، حيث تستمر حكاياته في إلهام الأجيال الجديدة بأن قيمة الإنسان تكمن فيما يقدمه لمجتمعه.




