في خيمة تعليمية بدير البلح، تحت رياح تعصف بالغبار، تجلس الطفلة جوري محمود، ابنة العاشرة، مرتدية ثيابها المدرسية، وقد وضعت كراستها على ركبتيها. تعبر جوري عن معاناتها اليومية في التعلم، حيث تصف قائلة: "أصعب شيء أننا نكتب ونحن منحنيات طوال الوقت فوق التراب؛ ظهورنا تتألم قبل منتصف الحصة".

تأتي جوري كواحدة من مئات الآلاف من الطلبة الذين انطلقوا في العام الدراسي 2026/2027 وسط ظروف قاسية جراء العدوان المستمر على قطاع غزة منذ نحو ثلاث سنوات. ومع دخول اتفاق الهدنة حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، بدأت محاولات استئناف التعليم في خيام ومراكز إيواء، لكن المشكلة الأهم كانت غياب المقاعد.

وفقًا لتقرير وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية، استشهد أكثر من 19 ألف طالب وطالبة، فيما أصيب نحو 28.6 ألف آخرون، بالإضافة إلى استشهاد أكثر من 800 من المعلمين والعاملين في القطاع التعليمي. ومع ذلك، فحتى المدارس التي لا تزال قائمة تحولت إلى ملاجئ مكتظة بالنازحين، ولم يتبق فيها سوى عدد قليل من المقاعد.

في ظل هذه الظروف، جاء التدخل الإنساني من اللجنة المصرية لإغاثة قطاع غزة، حيث بدأت جهود تحويل الطبليات الخشبية المستخدمة في الإغاثة إلى مقاعد للأطفال. يقول معين أبو الحصين، المدير التنفيذي للجنة: "المشهد وجعني كتير.. شفت الصغار قاعدين على الأرض، وقلت لنفسي هاد الخشب ممكن يكون له دور آخر".

بمساعدة الأهالي، بدأت الورش في دير البلح في تحويل هذه الطبليات إلى مقاعد. على الرغم من التحديات مثل انقطاع الكهرباء ونقص المعدات، استطاعت الورش إنتاج 1,170 مقعدًا حتى الآن. ويؤكد أحد النجارين، المعروف باسم "أبو خالد"، أن الضغط كان كبيرًا لتلبية احتياجات الأطفال. "كنا نحاول ننجز أكبر عدد ممكن بالإمكانات المتاحة"، يقول.

عندما وصلت أول دفعة من المقاعد إلى الخيمة التعليمية، عمت الفرحة بين الأطفال. جوري، التي كانت تكافح لتثبيت كراستها على ركبتيها، عبرت عن سعادتها بقولها: "شعرت أن المدرسة رجعت لنا، ولو بشكل مختلف". والدها محمود، الذي شهد سعادتها بعد فترة طويلة من الألم، قال: "لم أرَ ابنتي سعيدة منذ الحرب أكثر من هذا اليوم".

على الرغم من أن هذه المقاعد لم تحل كافة مشاكل أطفال غزة، إلا أنها تمثل خطوة نحو استعادة الأمل، حيث أصبحت هذه القطع الخشبية رمزًا للعودة إلى التعليم وسط الأزمات.